الجاحظ

53

رسائل الجاحظ

[ 1 - رغبة متكلم سني في علم الكلام ] ذكرت - حفظك اللّه - تفضيلك صناعة الكلام ، والذي خصصت به مذهب النظام ، وشغفك بالمبالغة في النظر ، وصبابتك بتهذيب النحل ، مع أنسك بالجماعة ، ووحشتك من الفرقة ، والذي تم عليه عزمك من إدامة البحث والتنقير ومن حمل النفس على مكروهها من التفكير ، ومن الانتساب إليهم والتعرف بهم . والذي تهيأ لك من الاحتساب في الأجر والرغبة في صالح الذكر ، والذي رأيت من النصب للرافضة والمارقة ، وطول مفارقة المرجئة والنابتة ، ولكل من اعترض عليهم ، وانحرف عنهم . والذي يخص به الجبرية ويعم به المشبهة . [ 2 - فضيلة علم الكلام ] فيا أيها المتكلم الجماعي ، والمتفقه السني ، والنظار المعتزلي ، الذي سمت همته إلى صناعة الكلام مع إدبار الدنيا عنها ، واحتمل ما في التعرض للعوام من الثواب عليها ، ولم يقنعه من الأديان إلا الخالص الممتحن ولا من النحل الا الإبريز المهذب ، ولا من التمييز الا المحض المصفى . والذي رغب بنفسه عن تقليد الاغمار ، كما رغب عن ادعاء الإلهام والضرورة ، ورغب في ظلم القياس بقدر رغبته في شرف اليقين . إنّ صناعة الكلام علق نفيس ، وجوهر ثمين ، وهو الكنز الذي لا يفنى ولا يبلى ، والصاحب الذي لا يمل ولا يغل ، وهو